البّـــــــــــــــــد…عمر المدني(الرشدان) دير ابي سعيد

البّـــــــــــــــــد…عمر المدني(الرشدان) دير ابي سعيد

كتبهاعمر المدني ، في 1 تشرين الثاني 2010 الساعة: 23:34 م

 

    

البـــــــــــــــــــــّد

alt 

 

هذا الصخر احضر من مكان ما……. يعشق الزيت…… في كل فوج زيتون مهروس ، كان هذا الحجر يمتص حاجته من الزيت ، فقوي عوده عبر الايام ، والا لما استعصى على تلك الجرافة اللئيمه ان تقتلعه ، فاستعانوا بهمر اكثر قسوة وبأسا ، ففتت اوصاله ، واستباح زيت اوردته ، وذرات  جسده…. اصبح انقاضا وكومة من الحجارة ، لا تشيء الا لشيء واحد  " اننا امة لا تستحق العيش او الحياه على صفحات تاريخ العمر".

جئنا فوجدناه راسخا في الارض………. حجر دائري سميك مقصوص ومصقول بيد مهندس عتيق…….. انها يد قوية اعتادت ان تتبارك كل صباح بمسحة زيت زيتون ، والا لما نحتت هذا الصرح…….. يستند فوقه عجل صخري مكسوح الاطراف الى الداخل ليحافظ على دوران داخلي ………ثقب دائري اشبه بالهوه في هذا الحجر الضخم ……… يدخل بهذه الهوه ساق شجرة طويله ملساء تتكىء على ركيزة في وسط الحجر الدائري (صحن الدريس).  قبضات رجال تشد على هذه الساق ، ويبداؤون بالدوران………. النساء تضيف قبضات الزيتون البكر امام دوران العجل الثقيل ، فتهرس الحبات المستصرخه……. توقف عجلة الدوران ليلم الزيتون المهروس……… يستعيد الرجال انفاسهم ، وتعاد الكرة مرة اخرى حتى ينتهي حصة زيتون تلك العائله ……….تاتي عائلة اخرى واخرى وبعدها يحمل الدريس الى معصرة فجج بدائيه ، وسط البلد ، تعتمد بكليتها على ضغط الزنود البشريه،  واثقالهم..

هذا هو البد ، لا يعبا بالدوران ، ولا يكل من الهرس….. وعندما يبدا الليل بالوصول،  كنا نعاهد امنا اننا لن نبارح منطقة البد الى مكان يثير قلقهم ، فتقبل الام الوعد على مضض ، ونمكث حول هذا الكرنفال الى ان يغالبنا النعاس ، فنرحل الى اوكارنا المنتظره ، والى ام تتظاهر بالنوم …… نرحل ونترك خلفنا رجال يدورون ، ونساء تزود………كان هناك صبية يقاوموا النعاس ، ويفترشوا الارض ، وبعضهم يخدع نفسه انه قادر على الصمود ، ليغطوا في نوم لا يصحوا الا على بسملة امهاتهم  فوق اجسادهم المستسلمه للكرى ، التي ملت الانتظار في البيت واستطولت غيبتهم …….تاتي متلهفه ثم تنفجر بالتوبيخ لصبيها الذي يترنح بين اليقظة والصحو ، وهو يتهادى الى البيت بثثاقل.

كان بيتنا قريبا من البد ، وكانت تلك حسنة في ميزان الخروج ليلا ، عندما يتسمر القلق على عتبات جفوننا…………نتسلل محاطين بلسعة البرد ، وصوت حشرات الليل الى ان نصله…..فوانيس بذبالاتها المرتعشه مرتكزة على صخرة تصارع الظلمه،  وحولها فراشات تنتحر بغباء…… ابريق شاي ليس ببعيد يرقص على نار شبه منطفاه امام اصرار امراه لاعادة الروح لها بالنفخ المتواصل……اكياس زيتون متراكمه يلتصق بخيشها ندى ليل ……ورجال ونساء وصمت ولهاث وسعاده غامره واشياء اخرى ، وكل ذلك يرتسم اشباحا امام ظل الفانوس الصغير.

حمير ربطت في الساحة القريبة ، اخذت قسطا وافرا من الراحه  ،وتستعد الان لنقل الزيتون والامتعه الى المعصره.

ساحة البد كانت ملعبنا……. ستاد لمباراياتنا الكرويه…… نجتمع على ترابها……. نقسم اللاعبين الى فريقين…… ونلعب ونلعب ونلعب ،  حتى نقرر الرحيل فنرحل،  ونعود في الغد ونلعب.

في امسيات اخرى ، كان البد مدرجا لجلساتنا الدائريه……. نستند الى عجله النائم على جنبه بصمت ، ثم ندخل في عالم الحكايات ، والغوله ، والساكون ويزداد الامر خوفا عندما يمر شبح رجل من امامنا ذاهب لقضاء حاجه …. نلتصق ويخفض الراوي من صوته،  ليضيف الى الموقف رعبا اكبر.

في العصاري،  كنا نصعد الى اعلى العجل ونقفز دلالة الشجاعة ةالقوة

في العصاري،  كنا نركض حوله كالخيول المربوطه بوتد الى مركزه.

كان البد معلما راسخا وحبيبا لنا… هذه كلمات لايستغنى عنها : وين رايح…الى البد…وين بلقاك…عند البد واي سؤال (وين) سيكون البد احدى كلمات الاجابه.

ويحلو السمر على البد…………… ويتجلى اللعب عند البد.

كنت سأؤرخ   لطفولتي ، ولكنهم عقروك ايها البد ، فاتلفوا اوراقا كثيرة من ملفي القديم.

هدموك ليقيموا عليك مصفا للسيارات ، لم تصطف عليه أي سيارة… كأن السيارات الجامده قد اعلنت حدادها على دمك المهدور ، فابت ان تقف بعجلاتها  على اطلاك واشلائك المدفونه دون صلاة.

أي غباء….. واي خبل….. واي جريمة هذه؟!!!!!!!!! لا ادري ، بل ادري واخاف انني ادري.

ليتهم تركوا للتاريخ احرفا او بعضها للذكرى ، بدلا من صفحات خطرشات متقاطعه كخربشات ناسك ، يدعي رجم الغيب في تلك اللفافه المعلقه على كتف طفل كالحرز من المرض.

قرروا قتل الفرح كعادتهم….. دمروا البد….. واصبح حجارة مكسوره ومتناثره ………نائمة في بطن التراب.

لماذا نذروا انفسهم لقتل مباهج الفرح؟!!!!!!!!!!!

ايها البد ! هذه الاصابع الملطخة بالدم ، لم تغسل بعد من بقر فرن الطابون او نحر القناطر،  او ردم بيوت الحجر بكوارتها

اعذرنا ايها البد …… اننا جاهلون ، والجاهل عدو نفسه

اعذرنا ايها البد…… اننا ساقطون بلا صدى ، لاننا نرتطدم امواتا في رغام التراب ….فلا نصرح ولا نستغيث.

اعذرنا ايها البد…… ان بحار رذائلنا قد طغت على بحيرات فضائلنا ونرقب النهايه لنستريح.

ايها البد !   سرقوك …..وقتلوك….. وهدموك….. ودمروك……. اما انا فستبقى في ذاكرتي ، اول نظرة عشق مع الفرح.

 

تمت

عمر المدني

صباح يوم الاثنين

1/11/2010

الساعه 2:20من صباح يوم الاثنين

  1. altمالك مفلح الرشدان قال:

    الأستاذ عمر الرشدان المحترم
    ما ان تكتب عن شي إلا إن تزيده جمالا
    وكل من يعرف البد ويقراء هذه الكلمات سيفرح ويحزن
    سيفرح لمقالتك والذي سيحتفظ بها أبدا ويحزن على ذهاب مثل هذه الأشياء الجميله0
    لكن بقي لنا المبدع والذي يصور الأشياء بأجمل صورها
    والبار والوفئ لهذه الأشياء الجميلة في حياتنا0
    حفظك الله ووفقك لما فيه الخير0

  2. المهندس مالك
    بعد التحيه
    تثقل جوانحي بكلماتك حيث لا اجد في قاموس الشكر مصطلحات تليق باهدائها لك
    لكن كلمة شكرا من قلب خير من كلمات كثيره مزدانه بحواشي مصطنعه
    يحميك الله

  3. قصة جميلة
    لكنها فتحت جرح في نفسي
    الحنين الى الماضي
    الذي لم يبقى له اثر
    اختفى البد واختفت معه لاصالة
    اختفت معة الاواصر الاجتماعية
    اختفت معه روح اتعاون والتكافل

  4. هذه المعصره رومانيه قديمه

  5. انت خالد في كلماتك

  6. altسليم ابو رمان قال:

    اقسم بالله انك اكثر من اديب
    وزير الثقافه لايقرا المدونات للاسف

  7. على فكره يا عمر نفسي اعرف مخ وفكر وثقافةوقررات الاشخاص الذين كسروا المعصره معقول بشر اكيد لا لو كنت موجود في ذلك الموقف كنت رح اطلع على المعصره والاعبهم (دروه) على وجوههم وعلى رووسهم وما رح اخليهم يلمسوها
    (اكيد ذاكر الدروه على البد)

  8. altأبو أسامه قال:

    والله انت مبدع وفنان يا اخ عمر
    كان بالحارة التحتا 2 بد - بدين - واحد عند دار ابو غيث بالساحةالامامية للببور وواحد اخر جنوب غرب الجامع الكبير امام دار فلاح الكليب
    بصراحة كانت مثل الحلي في جيد قريتنا
    كانت مثل عقود اللولو تزين صدر العروس
    كانت قريتنا احلى واجمل ما خلق الله على الارض - هذا على الاقل من وجهت نظرنا -
    اشكر لك كل ابداعاتك


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل