رووس وشخاتير ….عمر المدني(الرشدان)…دير ابي سعيد

رووس وشخاتير ….عمر المدني(الرشدان)…دير ابي سعيد

كتبهاعمر المدني ، في 26 تشرين الأول 2010 الساعة: 17:52 م

  

 

 

رووس وشخاتير

alt alt alt

 

اصبحت ذكرى منسيه…….. اصبحت ارشيفا ، نوقف عجلة الزمن الرديء هذا لنعود بالحاضرين الى ايام كانت اكثر صفاء ونقاء.

الرووس والشخاتير (الاطراف) كانت ضيفا عزيزا ومقيما في بيتنا ، فما ان يعلن الجامع الكبير عن بداية طقوس يوم الجمعه ، بايات لعبدالباسط المجوده، حتى يهل ابي بذاك الشوال الخيش ذي الخط الازرق…… يركنه بعيدا في حوش الدار…….. يزّيت بابور الكاز ، ثم تقرفص امي ، او تجلس على مفرمة خضار خشب ، ونحن نتحلق حولها بفضول لنحضر ذلك المشهد المتكرر كل يوم جمعه تقريبا. تبدا بالراس…… تغلي ماء…… تغرق الراس بالطاسه وتخرجه بسرعه ، ثم تاتي براحة يديها لتترك بقعا هنا وهناك جرداء من الشعر…… تكرر العمليه حتى يصبح الراس حليقا بالكامل ، وعندها ننفجر بالضحك على منظره.

 تكون امي معظم الوقت صامته ، ويعلو وجهها انزعاج وعصبيه لم نكن نعي سببها :- اهي الماء الساخن ، ام مشقة المهمه ، ام تدخلنا الذي يعيق العمل ويعرضنا احيانا للخطر؟؟؟؟ لكننا لم نعبا بذلك كثيرا.

تحضر امي البابور…… تحك عود ثقاب بتلك الكبريته ( 3نجوم) يرتفع اللهب ليحيط براس البابور،  وبعد دقيقه يصدر الراس صوتا كالحشرجه ، دعوة الى الدّك ، فينفجر الراس بذاك اللهب الازرق.  تحشي امي الكبريته في طية اشارها الخلفي ، وتسحب النكاشه المثبته باحكام الى احد ارجل البابور بخيط ليف قديم  فتتضاعف النيران واللهب امام اعيننا التي ترقب المنظر بشغف.

يقلّب الراس بحذر على البابور للشلوطه…… للتخلص من الشعر الذي استعصى على الماء المغلي ازالته ، وبعدها تجرح طرفي الفكين بسكين حمراء مقبضها عظم كانت امي دائما تحذرنا من حدتها.

الجزء الثاني من المشهد…….. الشخاتير. تتخلى امي عن صمتها وتنهرنا بعصبية ان نبتعد ، بعدما تكون قد وقفت حاملة الامعاء بيديها طاردة الاحشاء لتزكمنا الرائحة  الكريهه ، ونوقن عندها ان امي كانت على حق بابعادنا . يسحب بربيش ماء ويدخل الى جوف الاحشاء لتنظيفها ، ثم تقطع وتكشط بطرف السكين بعدما تكون امي قد افترشت الارض مرة اخرى………………….

في هذه اللحظات نغيب عن وجهها بسبب الملل الذي يتسلل الينا او بسبب الرائحه……. نعود بعد ساعه فتكون الشخاتير بيضاء…. لامعه….. جاهزة للحشو بذاك الارز المنقوع في الصحن.

تغادر العصبية امي في هذه اللحظات ، وتعود لابتسامتها الاولى…… تضم رؤوس اصابعها المعباة بالارز المفلفل ، وتمده بتفنن خيطا سميكا على ذاك الجلد الابيض…….. بابرة وخيط تبدا بضم اطراف الشختوره واخاطتها فتبدو بين يديها كحبة القطايف…… ترصها ليتوزع الارز بانتظام ، وتودعا في قاع الطاسه.

نختفي مرة اخرى في الحارة ونعود……… نتسلى بالعاب الحزازير لقتل الوقت.

دك البابور مرة اخرى بتلك القوة هو اعلان من امي ان الجزء الاول بمشهديه قد انجز،  والان يتولى  البابور بقية المهمه. تغطى الطاسة الواسعه وتحكم بعجينة على محيط غطائها لحفظ الضغط.

تمتد هذه المعزوفه المنسوجه من شخير البابور وغلي الماء ساعة او اكثر وعندها يكون راس البابور محمرا ومجهدا تحت هذا العبء الثقيل.

تحذرنا امي من الاقتراب ، وعند اقتناص اول فرصة لانشغالها ، يعمد اخي الكبير الى لف ورقة ودسها تحت الطاسة المتوهجه ، لتخرج الورقة مشتعله يطفئها بالنفخ،  ثم يعب عليها نفسا فيخرج الدخان من فتحتي انفه مصاحبا لقحة عميقه وقويه تحت مراقبتنا الشديده لابي الغائب الان في الجامع الكبير.

تبدا الرائحه تغزو المكان…… رائحة زكيه…… جاذبه ،  يختلط بها الدهن بالكمون والفلفل والعصفر…….. وتعب ابي وحنان امي.

يدلف ابي الى البيت ، ويكون سدر الالمنيوم ينتظر استقبال المادبة … تدلق الرووس والشخاتير ، فيفر البخار متصاعدا كدخان فانوس علاء الدين الى اعلى ……….كثيفا…… لزجا ، حتى يرتطم بسقف الغرفة تاركا قطرات كقطرات الندى متدليه من رماح القصيب فوق رؤوسنا.

نلتف حول السدر…… نلتهم الشخاتير بانصاف وعداله……. يقطع ابي الراس ويوزعه علينا مستحلبا في فمنا رغبة اكثر وطعما اكبر.

يفتح الراس بطرف معلقه ويتولى ابي تقسيم المخ…… نزدريه بفرح وبعدها تتوقف معركتنا مع السدر وما فيه .

ننظف ايدينا وفمنا ، وعندها تكون امي القويه بحبنا ، قد اعدت ابريق شاي بنعنع اخضر راو……. ننسحب فرادى الى الحاكورة الخلفيه………ينشغل ابي وامي بالحديث ………ونحن نبدا بحفر الخنادق في تراب الارض ، وننقله بعلبة سردين وخيط على انه قلاب الى طرف الحاكوره.

تمتد هذه البهجه حتى نحس بلسعة برد المساء قد اعلنت نهاية يوم الجمعة السعيد. نتقاطر عائدين الى البيت……. نغتسل ثم نغط بنوم عميق بعدما نكون قد اودعنا احلامنا لوسائد الصوف الدافئه.

ايام خلت ورحلت كانت بطلتها كما هي الان…….أمي.

فمهما قست عليك الحياة……… ومهما اثقلك الدهر بكاهله ، فلن يفلحان بقهرك اذا كان الى جانبك أم كأمي . فهي التي تبدد التعب ، وتشتت القهر ، وتبخر الملل،  وتقهر القسوه ، وتزرع بدلا منها ياسمين العمر الذي سيدوم مع اخر نفس عمر.

الرووس والشخاتير بيدك يا امي تصبح وجبة شهيه ، لا يحليها الكمون ولا يبهرّها الفلفل………….بل يديك لانك في كل حبة ارز كنت تطلقي تميمة بركة نابعه من اعماق قلبك ولب مهجتك.

امي……………… سابقى صغيرا امامك ،  سابقى طفلا يحلم بلثم طرف شنبرك الاسود ، لتقف كل كوابيس الليل جامدة من قض مضجعي وتعكير صفو نومي.

الرووس والشخاتير من عمل امي………………. فليبقيك الله قويه لانك زيت فتيلة العمر،  ودم الجسد النابض بحياتنا.

امي…………… احبك واحب تلك الشخاتير والروووس التي كنت تكدي وتتعبي لتقدميها وجبة لنا ، وكان يكفيك  انت فقط فرحنا وسعادتنا.

 

تمت

عمر المدني

مساء يو الثلاثاء

26/10/2010

الساعه 8:25من مساء يوم الثلاثاء


  1. altمالك مفلح الرشدان قال:

    الاستاذ عمر الرشدان المحترم

    يا رجل انت رهيب
    اعدت لنا ذكريات جميلة رووس وشخاتيرو بابور الكاز وشاي النعنع والحاكورة خلف الدار وطقوس الجمعة
    وفوق هذا كله امك ام الوليد المدني اسم عندما يذكر في الحارة يعني الملاك

    حفظ الله لك امك و بارك الله فيك يا استاذ عمر

  2. altابو شقير قال:

    عمر الغالي الله يرحم تلك الايام صدق ياعمر بان اكل الروس والكرشات شهوة واكلة شهيه محبوبة كثير اخ اخ يارجل ما اطيبها

  3. شكرا جزيلا للاخ مالك الرشدان وللاخ ظاهر ابو شقير على هذه الكلمات الطيبه والتي ان دلت فانما تدل على طيبة دفينه فطريه تجتر في مواقف سعيده على القلب وتجيّش العاطفه الى التحليق في السمو
    مرة اخرى اشكركم

  4. مرحبا عمر
    ايش يعني شخاتير
    انا من الصوره عرفت بتقصد فوارغ او كوارع او مقادم

    كيف انته بتفطن لهيك مواضيع يا روووووووووووووووعه

  5. altابو محمد...البارحه قال:

    اكله محبوبه ولكن الايام هاي صارت ندره
    يا رجل روح والله انك بتفرح القلب انه فيه شباب بعدهم بذكروا مثل هاي الشغلات

    ممتاز يا بوي يا عمر

  6. مأمون الزعبي (ابو الياس ):نعم صدقت فهذه الوجبات الدسمه ليس لها الا صاحبة الشنبر الاسود رمز العفه والطهر .دمت اخي عمر ودام قلمك

  7. altعمر دويكات قال:

    واللة فتحت نفسنا على هالطبخات المسعدة يا عمر

التعليقات

  1. صالح يوسف ابوزيتون علق :

    ألله أمك وبوك هاي لو توكل أجرين البقر ولا بلئحلام وخاصه أذا كانت نضيفه ونطبخت عنار وتحمرت بفرن الطابون٠ألله كل من تحب بلخير٠صالح يوسف ابوزيتون


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل