سوق الحلال..عمر المدني (عمر الرشدان)..دير ابي سعيد

سوق الحلال..عمر المدني (عمر الرشدان)..دير ابي سعيد

كتبهاعمر المدني ، في 17 أغسطس 2010 الساعة: 01:58 ص

   

 

 

سوق الحلال

 


 

فجأة تلاشى ، تبخر مشهده الاسبوعي تماما كما تغيب الاشياء الجميله الى الابد. كنت اغبط وقد احسد على قرب بيتي منه ، فكل صباح يوم جمعه كنا نمسح اخر قطرات الندى عن مآقينا ، مقاومين اغراء نومة الصبح اللذيذه لننسل اليه يسبقنا الفرح.

مسيرة دقيقتين ونكون في قلبه،  ووجها لوجه مع الاغنام…. الابقار…. السخال الجدايه….. العوابير….. الحمير…… الخيل.  تكون الشمس قد اطلت بحاجبها بخجل من الشرق،  غازلة اول خيوط ثوب النهار.

لا ادري كيف جرى اتفاق ضمني بين رواد هذا السوق على تقسيمه الى مناطق للحمير، واخرى للاغنام ، والشرقيه للخيل، والغربيه للعجول. اما صغار الاغنام من  السخال والعوابير والخراف فكانت لاتعترف بهذه التجزئه ، فتسرح وتمرح وتهرول وتركض وتطارد وترفس الهواء في اي جزء طاب لها

المساومات كانت لها طابع خاص غريب وعجيب

وكانت الاغنام تربق، والتعاج تشبق ، اما الابقار فكانت تكتفي بالاجترار والخوار

بين فترة واخرى. الخيول كانت تقيد بايديها تحسبا لمجهول

فما ان بتقدم شاري حتى يتظاهر البائع بعدم الاهتمام، راسما ثقه مصطنعه على وجهه………..يبطء الشاري خطوته ، يركز نظره عل الدابه،  يتفحص،  يضغط .. باصابع  يده على مؤخرة العصعص ، فحصا لكنز اللحم ، يحملها احيانا بدس يده  اليمنى بين فخذيها ، والاخرى تحت بطنها للاتزان، فتميل الدابه الى الامام ، وهي مرفوعه،  وتكون يد صاحب الدابه قد امتدت مع الحامل لتعويض قصر الحبل اثناء الحمل…….بنتقل الى حبات الفم ، ثم يتراجع خطوتين الى الخلف لتمايزها من جديد ، ويبدأ مثل هذا الحوار:-

الشاري :- هاه ( وتكون سيجارة الهيشي ملتصقه ومطفأه غالبا بين شفتيه)

البائع :- سوم

الشاري :- اعطاك الله 50 على سوا

يرد البائع باحدى الاجوبه المحتمله التاليه :-

·                          كان غيرك اشطر

·                          ضحكة صفراء دلالة التطنيش

·                          قوي قلبك

·                          (صمت) بعد ان يسحب دابته خطوتين الى مكان ما وبهذه الحركه يستعيد ثقته بالثبات على السعر.

·                          يعيد اشعال سيحارته المطفأه

·                          عدم الرد

·                          بدك ب50 فيه

·                          بعيد….بعيد …بعيــــــــــــــــــــــــــــــــد

 

يتراجع الشاري الى الخلف خطوه ، يطعح رقبته يمينا او شمالا ، مركزا نظره على الدابه، كانه يعيد فحصها من جديد ، واحيانا يعيد الفحص الاول ليتجرأ على رفع السعر وتفاديا للغلب.

تدوم المساومه لوقت معقول. وفي اثناء هذه المناوره المرغوبه يتدخل رجل ثالث دون تفويض ( عادة يكون كبير السن او متقاعد قديم) ويكون غير بائع ولا شاري. يرصد الحوار، ويقدّر بفراسته على أي جهة سيميل. يتناول النقود من الشاري ثم يضعها د بيد البائع المتردد عن قبول السعر، الذي يلف عادة  رقبته الى جنب، مصاحبة لكلمات مشدده دلالة الرفض . وبعد ان ينأى بيده المقبوضه بعدم استقبال النقود،  يسحبه الرجل الثالث بعيدا، ويجري همس وحركة اصابع وايدي كزخم اضافي للاقناع. وكثيرا ما كنت تتم الصفقه (ويعد الرجل الثالث بنفسه النقود) فتنطلق عبارة مستهلكه (الله باركلك) تتبعها كلمة من البائع ( هاك الحبله). ………………تحمل الدابه ببكم قمره واحده وتغيب.

لم تعنينا الخيول او الابقار كثيرا وطريقة بيعها،  وخاصة ذات القرون الطويله المبريه والبارزة للامام.

كانت النعاج وخرافها و الاغنام وسخالها هو المكان الاقرب الى رغبتنا.

كانت اصوات الدواب المتداخله تعزف سيمفونيه صباحيه كل صبيحة جمعه يسكب الفرح في قلوبنا.

كانت زاوية السوق الجنوبيه الغربيه يحظر على أي دابه الولوج اليها، ما عدا الخيل المحضره لحذاء حوافرها على يد ذاك الخمسيني،  الذي يظهر فجاه في السوق ويختفي فجاة بعدما يدرك ان لا خيل تنتظر بعد.

كانت تسمع مصادمات شفهيه يحتدم فيها النقاش واحيانا ممزوجه بسباب وشتائم عند حضور ذاك الرجل الاسمر غير المرغوب والمحبوب . انه رجل البلديه الذي يقتص رسم ( باج) على كل دابة تباع،  واحيانا كانت يفسد هذا التخل صفقة البيع ظاهريا ، لتجنب الباج على ان يتم التسليم في احدى الحواكير المجاوره لاحقا ، امام تهديد رجل البلديه العنيد. يطنش الرجل ويستمر الحديث والمساومات والثغاءات والصهيل والنهيق والمأمآت  والاجترار ونفس الرجال وغيوم سجائرهم والحياه والفرح.

لايطول هذا الفرح.  فبعدما يتم ما تم بيعه ، تبدا محركات السيارت بالدوران هنا وهناك ، وخلفها رحال يحملون دوابهم ، واخرون يكونوا قد اعتلوا ظهور دوابهم وغادروا بتمهل ، والبعض قد ساقوا ابقارهم وعجولهم الناقصه واحده او اثنين ( بيعت) وتلاشوا…

نلم بقايا فرحتنا وبهجتنا ونعاود الى البيت ، وتكون امي قد اعدت طعام الافطار فنتناوله بشهيه ، ثم تمصنا الحاره لنلهو ونلعب ……لتسقط من شجرة العمر ورقة اخرى.

 سوق الحلال كغيره من الملامح التي اختفت من قريتي ،وتركت فراغا اخر،

اضافة الى فراغات اخرى جلبناها لانفسنا.

 

 

عمر المدني

الثلاثاء 17/8/2010

7/رمضان/2010

تمام 3:40صباحا

دير ابي سعيد

 

  1. altاحمد العمري قال:

    رسم جميل لسوق الحلال بريشة فنان

  2. altالكركيه قال:

    مرهف الحس والشعور
    اقرا مدونتك واعجب كم ثقافتك واسعه

  3. altكامل الحسن..الصريح قال:

    هههههههههههههههههههههههههههههه
    مش معقول

  4. altعابد الصمادي قال:

    والله قلمك بسوى مليون قلم من اللي بنقرالهم

  5. بالمختصر
    انته فنان

  6. يسعد قلمك ما احلاه

    ب.ب

  7. altب.ب.ب.ب.ب. قال:

    دافنشي

  8. altمجهول قال:

    انت فنان مجهول وتستحق الاحترام
    رائع بكل معنى الكلمه

  9. على فكره يا عمر كان وقتي المفضل صباح يوم الجمعه كنت انا وصديق لي في المدرسه نذهب الى سوق الحلال ونستمتع ببساطةوطرق البيع واكثر ما يشدنا الشخص الذي كان يحذو الخيل وتفننه في ذلك (صديقي الان دكتور وما زلنا نفتخر بتلك الايام )


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل