فرن الطابون...عمر المدني(الرشدان)...دير ابي سعيد

فرن الطابون

 

كتبهاعمر المدني ، في 16 تموز 2010 الساعة: 23:58 م

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 


" هذه الخاطره جاءتني الساعه الثانية من فجر يوم السبت 5/6/2010 بعد استجداء وتذلل لذاكرتي ان تفرج عن ماض رحل احاول جادا ان اعيده دون جدوى"

 

فرن الطابون

alt

                alt

لكل مهنة أسرارها ، ولكل فن لمسته التي توسمه بقيمة التميز…..فرن الطابون او كما اعتدت ان اسميه " فرن البركه" معلم من المعالم التي بهتت في حوش ذاكرتي رغم محاولتي الجاده ابقاءها متقده كالحطب الذي كان يستهلك عند الصنور " موقد الفرن".

باصمامته الدائريه….بصنوره القمري غير المكتمل….بمقحاره المتآكلة اطرافه من كثرة صراعه من سحب الرماد " السكن" وللمقحار دور اخر وهو لدمل الفرن في اخر النهار بالرماد والزبله لادامته دافئا لغد.

كانت الخشة الشماليه المشكله مع باب دارنا سورا تطل من جدارها عينان يرقبان الليل، هما شبابيك ييت الفرن (الطواقي)…كان الدخان الفار من لهيب الخشه يندفع عبر هذه العيون كاسطوانات غازية هلاميه ثم يتكفل الهواء بنشرها عبر الازقه و الحواري، لنستقبل عبيرها في المساء ونحن نحث الخطى الى البيت بعد لعبة كرة على ملعب الحارة القريب…..كانت تلك الرائحة المعهوده  بمثابة ساعة العوده،ولم يكن يخلو الشارع من بقايا نساء جالسات يتهيأن للرحيل الى اوكارهن بعدما يكون الليل قد فرد وشاحه على الوجود بسكينة وكبرياء…….تتلقفنا الام على عتبة البيت وتختم رؤوسنا بمسحة ملائكية بختم يشبه الطابع الملصوق على الرسالة دلالة صحتها وسلامتها..

نجوس اول خطوة من عتبة الباب فنلقي التحية على فرننا النائم الملفع بالرماد والزبله كطفل اعياه التعب فركن الان الى السكون….احس برعشه تسري احسها ردا لتحية منه يعجز ان يلفظها فنتركة ونحن حائرون لانقوى على التفسير.

كان الحجر الاملس "كرسي الخبيز" محظوظا كمقيم طويل الى ذلك البركة النائم كمقام الالولياء….كان سقفه القصيبي قد وشح نفسه بالسواد وتدلى منه كتلا عشوائيه عنكبوتيه كانها تكلسات شاهده على تقلب الايام والليالي.

كان دافئا هناك….ارحم من حر ايار هذه الايام….هذا الايار الذي يرسل حرا صابغا للبشره نازعا للثمره كانه انتقام على عصيانا قديما ارتكبناه….ايار ياتي معذبا ومنتقما…ينشف الدم في عروق الاشجار فتعجز الباميا عن العطاء وترمي الدوالي احمالها ويتجرع البطيخ مرارة القيظ فيولد قبل اوانه….ايار ياتي ويسلم شقاءه الى حزيران الذي يتعهد الاخر بمواصلة الجلد دون رحمه.

هناك……كان ايارنا ادفأ ….كنت انظر الى امي وهي تكور قطع العجين على منسفة القش ككواكب السياره     ( ولا بد من تداخل السؤال اليومي : ليش يمه بدحبري العجين هيك؟ فترد دون ملل: حتى يتريح) …الاجابة غير الشافيه تحثنا للسؤال نفسه في اليوم التالي 

كانت خشة الفرن صغيرة في حجمها كبيرة في انسها…..نساء الحاره يتحلقن حول بوابته بكرنفال يومي يشدنا اليه اول الامر ثم يفرقنا اغراء لعبة كره او نداء زميل صف او حاره ( ولم اذكر اني كنت انجو من سؤال متكرر:باي صف انته يا عمر؟ اجيب احيانا واخرى انسحب لادرك انه سؤال مؤدب ينطوي على خبث لابعادي عن جلسة ملونه بخطوط حمراء…….. فتتكفل الحاره بتسليتي.

ام محمود ابو زيتون هي المحتفظه باللقب تزكية كبطلة صناعة الافران ، وكانت ام محمود " والتي يطغى على اسمها اسم الحجيه" تعقد بينها وبين النساء مبارزة مخفية وضمنيه بانها اهل لهذه المهنه حتى انها كانت تحتفظ بكيس او اكياس من النايلون بيدها او بشنبرها لتثير تساؤلا متوقع " شو هذا يا حجيه؟ وتجيب :        " شبّه" امام ذهول النساء….لويش الشبّه هاي؟  تضم يديها على الكيس وتنظر اليه بحدقتين واسعتين كانها تراه لاول مره.. مشان حم الفرن دون اعطاء اي تفاصيل….وتكون قد رمت بغرور الى ان كل منافس لها بهذه المهنه هو تلميذ صغير.

كانت هناك معايير متفق عليه ضمنا لجودة الفرن تعتبر معايير نقد  " بحمى او ما بحماش….بطلع الخبز محمر…بارد…بوكل حطب….غميق بخلع الظهر…بده حطب الدنيا….و….و…..و……" هذه الكلمات كانت تتردد على السنة النساء كثيرا والاطفال يلصقونها بذاكرتهم مع التكرار.

كانت الحجية تمتنع عن مزاولة مهنتها كلما قمنا بزيارة لها لتاكد ضمنا ان لكل مهنة سرها….كنت ارقب بعيوني الفضوليه الطفوليه زبادي هنا وهناك…هذه للملح الخشن وتلك للزجاج المبروش واخرى للرخام الساطع وابريق ماء كست رقبته يصمات لابهام اصبع عجوز و سيالات طينيه ملتصقه عليه كالدموع….كانت تبح يديها على عجل ثم تنسحب الى الخلف ويسود الحديث عن الفرن المتربع امامنا بوقار " اميت بخلص ان شاء الله وامي مركزة نظرها عليه لا عليها…ضبطيه بالله يا حجيه…تنظر اليه كمولود سيزفه القدر بعد ايام الى بيتنا….في تلك الاثناء كانت الحجيه تمد يدها الى حجرها ( كتهرب من الاجابه على سؤال تافه بنظرها) وتخرج صرة حلوى ( مخشرم)…تعطيني واحده باصرار واخرى بتردد لامي كانه عقاب على سؤالها…..كانت الحجيه تجول بنظرها وتلف رقبتها الى الركن البعيد من البيت لتهيىء لامي سؤال تتمناه ( شو هذا كوم التراب اللي هناك يا ام محمود…..ترد كانها لم تكترث.. هذاك؟ هذا يا خيتي (واحيانا يا حبيبتي) فرن لجماعه من الاشرفيه رامية الى ان صيتها تجاوز حدود القريه المغلقه. وتكون قد سرت نشوه على وجهها لان الكلام مثل النار ينتشر……كانت امي دؤوبه (عندما تفشل بانتزاع معلومه من الحجيه) على عبارة متكرره ( روح العب هناك يا ولد).

ينضج الفرن ويدلك بحجر املس بحنان كاخر لمسة لوداعه ….يحمل على حمار مشهود له بالهدوء (امام عجبي من صموده) وينقل الى بيته الجديد….تكون الحفره قد جهزت له بعناية وقد يستعان بابي لامور فنية ولكن تحت اشراف هندسة امي التي تجلس على حجر الخبيز وتحني بجسدها الى الامام .." هون خليه يكون الصنور..لاوالله هون احسن وقد تكون قد اكتسبت تاييدا من نساء الحارة الواقفات بانتظار الزائر الجديد….(يا اللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللله ما اروعك من ايام).

كان حضور الحجيه ليس نافلة بل فرضا وكانت تؤمن بان الفرن يجب ان يرتاح في مكانه وعندما يكون الفرن قد افترش الحفره يفسح لها المجال لتدخل …..تزم شفتها السفلى وترتسم على جبهتها خيوطا….. تتخلى احدى ذوائبها عن الحبس طويلا تحت الاشار قتظهر بيضاء تخيفنا فنركز عليها ونضحك بصمت….." هو يا حبيبتي لفي معي لغاد شوي فتنصاع امي الى امرها…ترتفع بقامتها وتامر باحضار الحطب ليشوى الفرن…..يقف الحطب بامتشاق في حلق الفرن الواحده تلو الاخرى وبتان …ترفض احدى العيدان دون تفسير وربما تكون رسالة ضمنية الى الحاضرين على ان الامر ليس عشوائيا فتلتقي اعين النساء مع بعضها البعض مبايعة بصمت ان الحجيه فنانة ومعلمه محترفه……تقترح احدى النساء كاز لاشعال الحطب امام رفض الحجيه…. وهي رسالة اخرى..تحصل على قطعة قماش وتبسمل وبعد لحظات تكون النار قد اعلنت سيطرتها على الموقف امام تحرجنا من قرب السقف القصيبي…..

تتوقف امام الفرن للحظات…تلقي عليه نظره اخيره ثم تنصرف بعد رفضها تناول الغداء معلقة " شفتي التراب بالدار غامزة انها مشغوله بفرن اخر لتاكد انها لا تجارى…..تخرج الحجيه بفرح وتتشتت النساء خلفها.

وبين فينة واخرى نهرول ونلقي نظره على الفرن المحترق بهدوء ونسمع طرقعات نستدعي امي وابي الذين يستجيبون لتلك اللحظات الحرجه…..

ايها الفرن………….ايها البركه التي تبخرت من ايدينا وبجهلنا

كم من رغيف انداح عجينا على ارضك ثم برقت على وجهه عيونا حمراء مقمره…….كم صنية اكتوت بنارك فخرج شهي الدجاج المشوي ….وكم من عيد فرحت معنا وخلية العمل امام عتبتك….. ترق اقراص العيد على القالب المزركش لتتكفل انت بفرحنا عندما تخرجها لنا منتفخه كبدر حزيران  تهاجمنا رائحته قبل ان يلامس شفانا ….كم افترشك كعك العيد وانت تحاول صهر العجوة لتنضج لنا كعكا عز مثيله هذه الايام…

ايها الفرن من حق ايار وحزيران ان يكويننا بلهبهما فنحن ادركنا اول العصيان ….نحن بعناك رخيصا بالحياه..نحن عصينا الطبيعه وتخلينا عن فطرتنا…..

رحل الفرن وجرف برحيله البركه والسعاده والهناء والحب والذكرى واشياء اخرى

ايها الفرن نحن مجرمون بحقك ……………فسامحنا فكفى بؤسنا هذه الايام

 

 

فجر السبت 5/6/2010   

تمام الخامسه صباحا

عمر                                                                                                                                                                               

 

 

 

  1. altسهى.....قميم اربد قال:

    شوقتني بجنون يا فنان
    ترسم التفاصيل بطريقه عجيبه
    كان عندنا واحد وراح

  2. altن.ف.....دير ابي سعيد قال:

    والله حرقتني بكلماتك
    وبكيتني على الماضي اللي راح
    تسلم هالانامل يا عمر
    خليك كما انت
    اكيد انته ما بتعرفني بس انا بعرفك وبشوفك وبتفاجأ لما اشوفك مار بالشارع وبسال نفسي هل هذا عمر اللي بكتب هاي الكلمات.
    انا محظوظه اني من دير ابي سعيد
    لانك منها يا….

  3. altمشتاقه من اربد قال:

    معقوله اللغه العربيه جميله بهذه الطريقه؟!!!!
    فيه عندنا معلمين عربي كثير ولكن مو هيك بيكتبوا
    انا قريت اول مدونتك انك معلم انجليزي.
    سبحان الله….الموهوب موهوب

  4. altح..الغزاوي...التركمان قال:

    فرن الطابون كان اصل القريه قبل ما تيجي الافران وينباع الخبز بالكيلو
    الايام اللي مضت كانت احلى

    مدونه جميله استاذ

  5. انت انسان طيب واصيل وترابك نقي

  6. عاجز عن التعليق امام هذا الابداع
    يحفظك الله

 

التعليقات

  1. نو نو نو علق :

    ابدابداع حقيقي


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل