بابور(مطحنة)المرحوم فلاح ابو غيث.....عمر المدني(الرشدان)....دير ابي سعيد

بابور (مطحنة) المرحوم فلاح ابو غيث

 

كتبهاعمر المدني ، في 16 تموز 2010 الساعة: 13:35 م

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

********اعتدت في نهاية كل اسبوع ان اعيد ترتيب اوراق ذاكرتي وفجأة وقعت يدي على هذا الملف

 

بابور المرحوم  فلاح ابو غيث

 

ربما كان ذلك في السنة الثالثه من السبعينات…ربما… لان امي كانت وقتها قد سمحت لي ان اخرج الى ضوضاء الشارع من طمانينة البيت.

 كانت غروبا وقبل ان ننكمش الى اوكارنا، اجتازت شاحنه بشكلها العجيب الشارع من امامنا وقد اتكأ على جانبها الايمن دولاب فولاذي رهيب…..اطلقنا ساقينا للريح يجره فضولنا ويحثه شقاوتنا.

كانت تلك الشاحنه تترنح تحت وطأة حملها الثقيل فوفرت لنا لهاثنا وهي تتسيد الطريق امام اعيننا المتابعه بفرح…..بعض رفاقنا تجاوز الشقاوه الى الرعونه فقفز الى جسرها الخلفي والتف بجذعه مادا يده كدعوة لمن يريد ان يصطحبه بهذه المتعه النادره…….اندفعت لامسك بيده لولا شبح تعليمات امي الصارمه اجهض مشروعي على عجل.

انعطفت الشاحنه الى اليمين ثم الى اليسار يزفها غرابة وجوهنا وانشداه اعيننا……توقفت امام غرفتين من الطين القديم فتصاعد منها طرقعات حاده كانها تعبير عن راحة بعد مسير طويل……..بوقفتها اكتمل وصول اولاد الحاره بغفلة من هجوم فلول الليل وانتشار العتمه…….عندها انطلقت عبارات تخمينيه اجتهاديه من افواهنا " بعضنا قال انه مدفع وبعض قال هذا مصنع واخر عض على شفته السفلى كانه يملك السر وهمس الى صاحبه بجانبه قائلا هذا مشان اسرائيل".

اندفع رجل خمسيني من باب الشاحنه المقابل للسائق تسيقه شتائم وتفوح منه رائحة النزق " كل واحد على داره واللي بظل هون بناديله الشرطه يوم كانت كلمة شرطه تعني النهايه".

ولد تحلى بجرأة اسثنائيه واطلق صوتا اقرب الى الصرخه من بين الجمع " شو هذا عموه؟" لم يسمع ردا ثم  اجاب الخمسيني " مطحنه…بابور طحين" عله بهذه الاجابه يطفىء عطش السؤال فننسحب. وعندما كانت كلمة بابور الكاز جزء من حياتنا فكان ذلك الجواب بمثابة دعوه مؤكده للتراص بفضول اكبر وبعيون اوسع لنرى ما هذا البابور.

انهمك بعض الاولاد بلعق رؤوس سباباتهم وخط أسمائهم على زجاج السيارة الأمامي المغبر…..وبعض حنى قامته الى جنب الشاحنه محاولا تهجئة كلمة (سولار) الشاخصه على تنك المحروقات المثيت على خاصرتها….اردنا ان نختزل الزمن لنعرف كل شيء عن أي شيء.

وبسماع كلمة مطحنه نظر بعض الاولاد الى الذين قالوا مصنع او مدفع…فانسحب المجتهدون إلى آخر الجمع ثم اخترقوا الصفوف ثانية دون مبالاه.

هدأت روعة الرجل أمام إصرارنا وتحالفنا وبدا يتحدث " عموه هذا بابور طحين واليوم بدنا ننزله من الشاحنه وبكره بالنهار بنركبه…روحوا للبيت لا يقع على واحد منكو" وما ان انهى كلمة "روحوا" حتى كان صوت امي من وراء الجمع ينادي " عمر….روح جاي يمه" وبعدها تفرق الجمع وكنا نستعجل قدوم غد.

لم ننم…..وما ان انبلج النهار حتى توافد الاولاد تواترا الى هذا الغريب…..طلت الشمس من وراء التلال فطردت الكرى عن عيوننا الجائعه للنوم فبدا امام عيوننا  اشكالا عجيبة وغريبه : دولاب فولاذي ضخم يمتد من محيطه اذرع فولاذيه على شكل حرف ƒ تلتقي بحلقة تشكل مركز الدولاب……انبوب حديدي اسود طويل مفروغ الاحشاء يمتد ارضا دفع بعضنا الى الاستلقاء ارضا للنظر فيه وحتى ان البعض الصق احدى اذنيه الى احدى الفتحات ليسمع كلمة ( الو) الصادره من الطرف الاخر بضخامه امام استغراب وفرحة الجميع……..براغي بحجم اليد……اقشطه كتانيه طويله…..انابيب مياه باشكال مختلفه…..صندوق خشبي كبير مغلق يدل على ثقل كبير وهو الذي اجهض حيل الشاحنه…….مفاتيح شق ورنق ضخمه.

تفرق الاولاد زمرا وكل واحدة انشغلت باحدى الاجسام الغريبه الواقفه هنا والنائمه هناك……وبعد ان وقف النهار جيدا ظهر الرجل الخمسيني من زقاق قريب بنزقه الاول…كات بيده خرقة…مسح طرف الدولاب وفتح حلقة عينيه بتهجأ احرفا انجليزيه محفوره على جانب الدولاب للتاكد من جودته…..تفقد البراغي…..مد براسه الى داخل الغرفه وجال بنظره الى سقفها ثم جلس على عتبتها…….زحفنا ببطء نحوه……لم يتخلى عن ابوته في تلك اللحظات وقال بصوت لين " عموه يا حبايبي هاي العده ثقيله واذا وقعت على واحد وفرك يديه دلالة الموت"…استسلم الرجل لنبال الاسئله فظلل الموقف سكينه وغشته طمانينه حتى ان بعضنا دخل الى الغرفتين دون اعتراض من الخمسيني.

وفجأة حضرت سيارة زرقاء سماويه ترجل ستيني منها اشيب الراس قصير القامه مرتديا افرهولا ازرق غامق ملطخ بزيت قديم فوق الركبتين….اخترق الستيني الجمع دون ان يلقي تحيه….تصافح مع الرجل الاول ثم دلفا الى الداخل…..تفحص الغرفتين وامر بتوسيع الهوه بين الغرفتين مرافقة لحركات يديه للتوضيح والقى اسئلة اخرى غير مقهومه امام هزات صاحب المطحنة دلالة الا ستيعاب.

بدا التركيب خارج الغرفتين……انتصب الانبوب الحديدي ملتصقا الى جدار الغرفه وثبت اسفله بشبه برميل بواسطة براغي ضخمه.

ادخلت القطع الى الداخل واستعين ببعض البالغين للمساعده وتجاوزت النساء خطوطهن المسموحه لهن والقن نظره على هذا الغريب……..ضرب حظرا على دخول أي منا الى الداخل وسمعت ضربات قاسيه من تهبط من مطرقه على سندان ولد لدينا الضجر وخلق بداخلنا الملل وتزامن ذلك مع جوع ناهش اجبرنا على الانسحاب الى بيوتنا لننام ساعات تعويضا عن يقظة ليل امس وصحوة اليوم.

مساء اليوم التالي شق الصمت دوي متقطع سرق انتباهنا كرها الى هناك …الى قلب الغرفتين…يجمعنا الصوت وتلمنا المفاجاة فنهرول الى مكان الامس…..تلتقي عيوننا بمحرك ضخم مخيف يقبض على دولاب ضخم يلف بجنون والات صاعدة ونازلة فينبعث شهيقا وزفيرا مخيفين….رائحة زيت تزكم واصوات الستيني والخمسيني في الداخل تتعالى لتطغى على صوت المحرك المجنون ….يجمدنا المشهد ولكننا نندفع لنقتل الحيره والسؤال الدفين عن هذا العجيب……..نركز النظر الى الداخل ثم ننسحب الى الخارج الى ذلك الانبوب الذي ينفث دخانا متقطعا بالفضاء الفسيح وحوله يتوهج الهواء بحرارة ملتهبة من  ذلك البرميل مما دفع بعضنا الى البصق عليه بعد ان يسمع طشيش…

ولد البابور وعشنا معه اياما وسنينا حتى امسى جزءا من حارتنا …من تراثنا…..من معالمنا……اصبح مجمعا لكل القرى وحميرهم المربوطه في باحته بانتظار الفرج والعوده الى الديار…..

وفي الشتاء كنا نلتمس دفئا في خلاياه فنتحايل على صاحبه بمساعدته بتعبئة الصاع لرفعه الى دلو الطحن….نغمر اجسادنا في حوض القمح ونكيل ونرفع ونلعب ونعبث ونطرد ونعود حتى اصبحنا نحن ايضا جزءا منه.

شاخ البابور وهرم الحب وفككت اوصاله قطعا وحمل كما جاء اول مرة في سيارة غريبه الى المجهول على انه خرده……..قتلنا جهلنا……اعمت بصيرتنا التكنولوجيا……نفتح اعيننا ولكن لا نرى شيئا…..اصبح كل شيئا مخبريا …حتى الحب اصل الحياه اصبح دخيلا علينا……….بكلمة واحده نحن ننتظر من يدفنا (واكرام الميت دفنه)

الغرفتان المرملتان اليوم تقفان بذل من شواهد عصر مضى بلا عوده.

 

 

 

صباح يوم الجمعه

11/6/2010

الساعه 2:50صباحا

عمر


 

 

  1. altبنت دير ابي سعيد قال:

    سلام عمر
    بس بدي اعرف كيف بتيجيك الافكار هيك

    انا بعرف البابور هذا وياما طحنا فيه…بس انته اعطيت له هيك شيء حلو
    شكرا يا عمر

  2. مبدع جدا جدا جدا

  3. altمحمد الكساسبه...جديتا قال:

    قرات المقال وكان جميلا لاني اذكر اني طحنت فيه اكثر من مره وقد ارجعتني الان لتلك الايام

  4. لعمري انك مبدع
    بهنيك على عقلك

  5. على فكره ياعمر رحم الله فلاح ابوغيث كنا نستيقظ احيانا في الصباح الباكر على صوته وهو يقرا القران الكريم وبعد ذلك بداية تشغيل البابور والبدايه المدويه اذكر عندما كنت ادخل للبابور واشاهد المرحوم فلاح وهو يعمل وكيف يضع القمح وكم كان ممتلا بذرات الطحين الابيض رحمه الله

  6. يا سلام عليك وانت تذكرنا بتلك الايام الجميله

  7. تسلم ويسلم هذا القلم الابداعي

 


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل